محمد دياب الإتليدي
138
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
فقال الشيخ : السمع والطاعة . ثم إن الخليفة وجعفراً ومسروراً توجهوا من عند الشيخ المراكبي إلى القصر وقلعوا ما عليهم من لبس التجار ولبسوا ثياب الملك والافتخار ، وجلس كل واحد في مرتبته ، ودخلت الأمراء والحجاب والنواب . وانعقد المجلس بالناس ، ولما انقضى النهار وتفرقت الأجناد قال الخليفة هارون الرشيد لوزيره : يا جعفر ! انهض بنا للفرجة على الخليفة الثاني . فضحك جعفر ومسرور ، ولبسوا لبس التجار وخرجوا منشرحي الصدور ، وكان خروجهم من باب السر ، فلما وصلوا إلى الدجلة وجدوا الشيخ صاحب الشختور لهم في الانتظار فنزلوا عنده في المركب . فلما استقروا مع الشيخ المراكبي ، وإذا بالخليفة الثاني في الحراقة ، وقد أقبلت عليهم فتأمولها وإذا فيها مائتا مملوك غير المماليك الأول والمشاعلية تنادي على عادتهم ، فقال الخليفة : يا وزير ، هذا شيء لو سمعت به ما صدقت ، ولكن رأيت هذا عياناً . ثم إن الخليفة قال لصاحب الشختور : يا شيخ ! هذه عشرة دنانير وسر بنا في مساواتهم ، فإنهم في النور ونحن في الظلام ننظرهم ونتفرج عليهم . وهم لا ينظروننا . فأخذ الشيخ العشرة دنانير وأطلق الشختور في مساواتهم وصار في ظلام الحراقة ، ولم يزالوا سائرين في أثرهم إلى آخر البساتين ، وإذا بزريبة بطول الحراقة التصقت عليها ، وإذا بغلامين واقفين ، ومعهما بغلة مسرجة ملجمة ، فطلع الخليفة الثاني وركب البغلة وسار بين الندماء ، وزعقت المشاعلية والجاويشية ، واشتالت الغاشية ، وطلع هارون الرشيد وجعفر ومسرور إلى البر وشقوا بين المماليك وساروا قدامهم ، فلاحت من المشاعلية لتفاتة فرأوا ثلاثة أنفار لبسهم لبس التجار ، وهم غرباً فأنكروهم غمزوا عليهم فمسكوهم وأحضروهم بين يدي الخليفة الثاني ، فلما نظرهم قال : كيف وصلتم إلى هذا المكان وما الذي جاء بكم في مثل هذا الوقت ؟ قالوا : يا مولانا ! اليوم كان قدومنا ، ونحن قوم غرباء تجار ، وخرجنا نتمشى الليلة ، وإذا بكم قد أقبلتم وجاء هؤلاء وقبضوا علينا وأوقفونا بين أيديكم ، وهذا خبرنا . فقال لهم الخليفة الثاني : طيبوا قلوبكم ، فلا بأس عليكم لأنكم قوم غرباء ، ولو كنتم من بغداد لضربت أعناقكم للمخالفة . ثم التفت إلى وزيره وقال : خذ هؤلاء صحبتك ليكونوا ضيوفنا الليلة .